بيت العقيلي .. مقصد للشعر ومجمع لأهل الفكر ورجالات المجتمع .. جدرانه تصدح بالكلمات والخطابات والمراسلات من عام 1923

عند القيام برحلة داخل بيت مبارك بن حمد العقيلي في منطقة الرأس بدبي، تتراءى ذاكرة حية قابعة في أروقة هذه الشخصية المتسلحة بالأدب والشعر. وهذا الاسم الكبير جعل من قلمه منبرا يحاكي أبرز القضايا الاجتماعية معبرا عن فكره ونظرته حيالها ومدلولاته التي تبين محاذيرها. وذلك كله من خلال نظم شعرية اختار عبارتها ومفرداتها اللفظية لتحاكي النفس وتجد عند متلقيها إجابات وأثر.

جدران بيت مبارك بن حمد العقيلي تصدح بكلماته الشعرية التي تحمل ألفاظا غنية ذات مغزى. هذا البيت الذي يسرد سيرة علم من أعلام الفكر والأدب، والذي كون له صيتا محليا وعربيا وإسلاميا، كل غرفة فيه تعرض جانبا من حياة الشاعر وما تناوله من قضايا ومواقف عبر عنها بكلمات ومخاطبات ومراسلات. وهنا بعض مقتنياته الشخصية التي لازمته طوال حياته، إضافة إلى أدواته الكتابية وبعض التحف، التي تشكل زيارة مبحرة إلى فكر الشاعر، وإلى تلك الروح التي تفاخر بكونها من أبناء هذه الأرض، والتي كتب لها أن تترك فيها علامات مميزة حتى بعد مماتها.

منبر للفكر

وتتناول المشرفة أمل لطفي عن سيرة العقيلي الذي حول بيته إلى منبر للفكر، موضحة أن الشاعر مبارك بن حمد العقيلي هو علم من أعلام الأدب والشعر. إذ خلد ذكرياته وحياته الاجتماعية والأدبية والشعرية الحافلة بالكثير في مسكنه التقليدي بمنطقة الرأس في دبي. وتذكر أنه شيد بيته عام 1342 هجري الموافق 1923 ميلادي، بحيث تحول إلى أحد أهم المباني التاريخية في المنطقة. وتبلغ مساحة المبنى 187 مترا مربعا بارتفاع 8.75 أمتار بحيث يتكون من دورين وتتوزع فيه الغرف حول فناء داخلي. وبوصف تفاصيل البيت تضيف أمل لطفي أن له مدخلين أحدهما رئيسي والآخر فرعي ويحتويان على نماذج متميزة من الزخارف المعمارية التراثية التي تثري المخزن التراثي المعماري لإمارة دبي. وقد تم ترميم البيت من قبل إدارة التراث العمراني في بلدية دبي عام 2010 ليضاف إلى سجل عدد غير محدود من المباني التراثية القديمة التي تزخر بجمالها المعماري، وتسجل على أعتابها ذكرى مهام من تاريخ الإمارات.

مقتنيات

وحول نشأته تذكر أمل لطفي أن المفكر مبارك بن حمد العقيلي ولد في منطقة الاحساء عام 1875، ونشأ يتيما بعد أن توفي والده أثر سقوطه عن ظهر بعير. فتولت أمه تربيته، وتولى الشيخ إبراهيم بن محمد آل مبارك تعليمه القران والفقه وبعض علوم اللغة، فشب على حب العلم والقراءة مما كان لذلك كبير الأثر في حياته الفكرية والأدبية. وتوضح أن شغفه باللغة وانعكس على شعره وأدبه وغزارة معانيهما مما جعل منه شاعرا بارزا بين معاصريه ومجالسيه، إضافة إلى تميزه في فنون الخط، إذ كان يكتب بكلتي يديه وحتى بأصابع قديمه.

ومن طرائف ما عرف عنه أنه كتب «سورة ياسين» على بيضة، و»سورة الإخلاص» على حبة قمح. وكل محطة من بيت العقيلي تجعل الزائر يأخذ لمحة سريعة ووجيزة عن حياة هذا الشاعر، بدءاً من نشأته إلى مساهماته الأدبية الواسعة ومواقفه الاجتماعية ومقتنياته التي لازمته طوال حياته حتى وفاته.

مكانة مرموقة

ومما يعرف عن مبارك بن حمد العقيلي أنه كان من هواة الأسفار والترحال، إذ ما يكون في بلد إلا وفكرة البحث عن زيارة بلد آخر تلوح في ذهنه. لذلك فهو هاجر إلى العراق، تاركاً موطنه الاحساء بعدما اعتقل فيها بسجن العثمانين بسبب وشاية من أحد أقاربه. وكان عاش في العراق في ظل الأمير صالح المنصور أحد الحكام في الناصرية. وبعد وفاة الأمير، أخذ العقيلي ينتقل من دبي إلى عمان وأبوظبي والبحرين حتى استقر به المقام في دبي وبالتحديد في منطقة الرأس، حيث شيد الشاعر العقيلي له بيتا ليكون مقصدا ومجمعا للعلم والأدب ومكانا يرتاده أهل الفكر ورجالات المجتمع. وكان بيت العقيلي عنوانا يلتقي فيه أصحاب الرأي من الشيوخ والأعيان لما يتمتع به صاحبه من وقار. وكان الشاعر مبارك بن حم العقيلي مشهور بكرمه الذي عرف عنه من ضيوفه حيث كان يحضر لهم يوميا من 9 إلى 12 دلة قهوة. وهذا مؤشر واضح على أن بيته لم يكن يخلو أبداً من عشاق الكلمة. وكانت له مكانة اجتماعية مرموقة محليا وعربيا وإسلاميا، بحيث كان كاتبا لدى فيصل بن تركي، سلطان عمان. وكانت له مراسلات عدة مع الملوك والحكام.

أشعار ومساهمات

وتقول المشرفة أمل لطفي إن من القضايا التي اهتم بها الشاعر مبارك بن حمد العقيلي وكان يؤكدها في قصائدة وواقع أحداث حياته، الحث على الاهتمام باللغة العربية الفصحى. وكان ينتقد الذين يسعون للتخاطب بالانجليزية بحجة أنها وجه من أوجه التقدم الحضاري. مع ما سجله من مواقف واضحة من قضايا أمته، ومنها قضية فلسطين منتقدا فيها وعد بلفور، ومتوجها بالحث على نصرة فلسطين عبر اتحاد وتكاتف الشعوب العربية والإسلامية. كما تناولت أشعاره أغراضاً عدة في الفخر والمدح والرثاء والحكمة والغزل والوصف.

ومع أنه لم يعرف للشاعر العقيلي تلامذة منتظمون، غير أن كثيرين من أبناء دبي تعلموا على يديه منهم الشيخ راشد بن بطي بن سهيل، والشيخ سهيل بن بطي، وعبد الله بن عبيد بن عوقد، وأبناء الخاجة. وكان يعلهم القرآن وكتابة الرسائل والحساب، ويحكى عن مواقف عدة دارت بينه وبينه هذه الأسماء تظهر مدى حرصه على تعليمهم جوهر العلوم، وصبره في تلقينهم الدين والشعر والأدب. وقد انتهت حياة شاعر دبي مبارك بن حمد العقيلي عن عمر يناهز الـ81، حيث ووري الثرى في مقبرة أم هرير عام 1954. وعي الرغم من رحيل قنديل الفكر والأدب إلا أن كلماته وأشاعره ومساهماته الأدبية ما زالت تضيء وتنير أروقة وردهات منزله. وتجعلها محطة مهمة للأجيال للتعرف إلى علم من أعلام الفكر والأدب، وأحد أهم من استطاعوا أن يحركوا بأقلامهم ما عجزت عن تحريكه القوة، وأن يلجموا الأفواه المتشبعة بالأباطيل والبهتان.

المصدر : الإتحاد

مع تحيات:
الــــــــوطــــــــن™
اتبعني Follow @AlWatanUAE
www.alwatan.ae

Advertisements

أكتب هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s