الهجّاء السليط – قصته مع عمر بن الخطاب – كيف نجا الحطيئة بلسانه من القطع؟

صاحب هذه القصيدة هو الشاعر المخضرم الملقب بـ “الحطيئة”، وهذا اللقب الذي غلب عليه يرجع إلى قِصره وقربه من الأرض.. ولكن اسمه هو جرول بن أوس بن مالك، وينتهي إلى مضر بن نزار.. أما كنيته فكانت أبو مُليَْلَة.

كان الحطيئة شخصية غريبة، فهو كما أشارت بعض المصادر، مثل الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني من أولاد الزنا الذين شرفوا.. أمه كانت “أمةَ “اسمها الضراء.. وأبوه أوس بن مالك كان قد تزوج امرأة حرة أخرى هي بنت رياح بن عمرو، فرزق منها ولدين ومات وتزوج الضراء أم الحطيئة رجل من عبس يقال له الكلب بن كُنيس فولدت له ولدين أيضاً، فكان بذلك للحطيئة أخوان اثنان من أبيه أوس، وأخوان اثنان من أمه الضراء.. وكلهم من عبس.. وقد توفي الحطيئة في سنة 30 هـ 650 م.

ولا شك أن هذا الوضع الاجتماعي قد حرمه من المباهاة، أو الافتخار بنسبه لأمه غير الحرة الضراء.. وإن لم يحرمه من الاعتزاز بنسبه لأبيه أوس بن مالك.

وأدرك الحطيئة من البداية أنه لن يكون له شأن إلا بشيء لا يستطيعه غير وهو الشعر، وحتى الشعراء.. كانوا فرساناً، وكانوا ينتمون إلى قبائل معروفة يعتزون بالانتماء إليها ويفخرون بفروسيتهم وشجاعتهم وبأسهم.. أما هو فقصير القامة قبيح الوجه، وهو نفسه هجا فسه وقال:

أرى لي وجهاً قبح الله خلقه
فَقُبح مِن وَجْهٍ وقُبِّح حامِلُه

تشكلت شخصية الحطيئة على السخط، فهو ساخط على الزمن، والقدر الذي جعله ابناً لأمةٍ من جهة، وقَبّح من خلقه من جهة أخرى، ويشير من درسوا حياة الحطيئة أن تردده في الانتساب ما بين الأب والأم جرده من روح العصبية الصحيحة وما تجره من شرف العواطف والحياء في السؤال، والترفع والحفاظ على المبادئ ومعرفة الجميل، فقضى حياته كلها متشرداً متدافعاً بين القبائل ينتسب إلى من يرى فيه المنفعة فيمدح مَنْ يكثر له العطاء أو من يخاف بطشه ويهجو من لا ينيله ما يرغب، حتى أصبح الهجاء ملكةً خاصة فيما لم يلبث أن استعملها أداة للكسب أكثر من وسيلة لرفع الشأن والقدر.

واشتهر الحطيئة بهجائه المقذع ومدحه لمن لا يستحق المدح، حتى أن الناس كانوا يتحاشونه خوفاً من أن يكون ضحية لسانه السليط.

ومما سجله المؤرخون عن الحطيئة.. أنه قدم المدينة في سنة مجدية أي لا مطر فيها ولا أرزاق.. فما علم أهلها حتى مشى أشرافها بعضهم إلى بعض.

قال أحدهم: قدم علينا هذا الرجل وهو شاعر ينتظر العطاء.

◆ ولكننا في سنة عسر.. وما لدينا ما نعطيه.

◆ لا يمكن أن نعتذر بالعدم لأنه سيتهمنا بالبخل.

◆ عليكم أهل المدينة أن تفكروا بالعواقب.. فهذا الملقب بالحطيئة ينزل على القوم، فإن أكرموه مدحهم، وإن لم يعطوه شيئاً هجاهم.. فاشتروا عرضكم وسمعتكم ولو ببعض المال.

وبالفعل اتفق رأي القوم على أن يجمعوا أهل المدينة، كل حسب طاقته، ما يسكت هذا الشاعر ويحول هجاءه لهم إلى مديح.

جمعوا له بالعشرة والعشرين ديناراً إلى أن تمكنوا من دفع أربعمائة دينار له.. وظنوا أنهم قد أغنوه، ولكن فوجئوا به يوم الجمعة ينادي أمام المسجد بـ “من يحملني على بغلين وقاه الله كبَّة جهنم”.. هذه الحكاية أوردها أبو الفرج الأصفهاني في كتابه الأغاني.

حكاية قصيدة اليوم هو ما حدث للحطيئة بعد هجائه الزبرقان بن بدر بذلك البيت الشهير:

دع المكارمَ لا ترحل لبغيتها
واقعد فإنك أنت الطاعُم الكاسي

شكا الزبرقان بن بدر الحطيئة للخليفة عمر بن الخطاب فأحضرهما معاً واستمع إلى الزبرقان وهو يردد ذلك البيت.

فقال عمر: ولكن أين الهجاء في هذا البيت.. إنني لا أسمع هجاءً بل هو عتاب.

قال الزبرقان: أكل مروءاتي هي أن آكل وألبس؟ إنني إذن نكرة لا قيمة لي بين الناس، ولا دور لي في خدمة الدين.

قال عمر مخاطباً أحد مساعديه: عليَّ بحسان بن ثابت.. فهو شاعر وأكثر دراية وفهماً بالشعر وأغراضه.. ولما جاء حسان، وعرض عليه الخليفة عمر بيت الحطيئة سأله:

◆ هل هذا هجاء؟

◆ قال حسان: بل هو أكثر من الهجاء.. لقد سلح عليه.

أي سبه وشتمه وأقذع في ذلك.

ولم يكتف عمر بحسان، بل أحضر شاعراً آخر هو لبيد، فأكد أن ذلك البيت الذي قاله الحطيئة هو أشد أنواع الهجاء.. فعاقب الخليفة عمر بن الخطاب الحطيئة بوضعه في بئر..

أمام هذا العقاب الذي لم يتوقعه الحطيئة.. عاد إلى شاعريته الحقيقية الصادقة.. ونظم أبياتاً قليلة حملت قضيته وجعلت الخليفة العادل الملقب بالفاروق يرقّ له ويعفو عنه.. الأبيات هي:

ماذا تقول لأفراخٍ بذي مرخٍ (1)
زغب الحواصل لا ماءٌ ولا شجرُ

ألقيت كاسبهم في قعر مظلمةٍ
فاغفِرْ عليك سلامُ اللهِ يا عمرُ

أنت الإمام الذي من بعد صاحبهِ
ألقى إليك مقاليد النهى البشرُ

لم يؤثروك بها إذ قدموك لها
لكن لأنفسهم كانت بكَ الأُثرُ

فامنن على صبيةٍ بالرمل مسكنُهم
بين الأباطحِ تغشاهم بها القرَرُ

أهلي فداؤك كم بيني وبينهم
من عرض داويةٍ تعمى بها الخبرُ

هذه الأبيات القليلة كان لها تأثير كبير على الخليفة عمر.. وقيل إنه لم يكد يسمع الحطيئة يذكر أولاده الصغار الذين أصبحوا بعد إلقائه في ذلك البئر دون عائل ودون طعام أو شراب حتى سالت دموع عينيه، وشعر بالأسى على أنه قام بسجن الحطيئة والتسبب في أذى أطفاله.

ولكن الخليفة عمر لم يرضه أبداً أن يتناول الشاعر الآخرين بالهجاء والشتم والقذف، واعتبرها مُنافية لتعاليم الدين الحنيف، ولذلك لم يتركه يذهب هكذا بلا قيد أو شرط.. بل إن الروايات المختلفة حول هذه الحكاية تؤكد أن الخليفة عمر جلس بعد الإفراج عنه في جماعة من أصحاب المشورة وقال:

◆ أشيروا علي في هذا الشاعر.. إنه يقول الهجر وينسبُ بالحرم ويمدح الناس ويذمهم بغير ما فيهم.. ما أراني إلا قاطعاً لسانه.. بل إن عمر أراد أن ينفذ تهديده بقطع لسان الحطيئة فقال: علي بالطست.. فأحضرت ثم قال علي بالمخصف وهو مخرز الإسكافي ثم قال: عليَّ بالسكين، لا بل عليّ بالموسى فهو أوجى، أي أسرع.

فقال الحضور وقد فزعوا مما سيفعله الخليفة عمر: يا أمير المؤمنين اعفُ عنه.. وهو لن يكرر هذه الخطيئة مرة أخرى.

ولم يملك الحطيئة إلا أن يردد أمام الخليفة ذلك الوعد بالكف عن الهجاء.

وفي رواية أخرى دار هذا الحوار بين الخليفة والحطيئة.

◆ إياك وهجاء الناس يا حطيئة.

الحطيئة: إذن تموت عيالي جوعاً.. الهجاء مكسبي ومنه أعيش.

عمر: تعيش على شتم الناس.. لماذا لا تعيش على مدحهم.

الحطيئة: الهجاء يجعل الآخرين يخافون لساني ويطلبون ودي.

عمر: إياك والمقذع.

الحطيئة: فأنت والله أهجى مني.

قال عمر وهو ينهض عن كرسيه:

◆ لولا أن تكون بعدي سُنة لقطعت لسانك.. ولكن اذهب وأنت له يا زبرقان.

فألقى الزبرقان عمامته على رقبة الحطيئة واقتاده بها فعارضته غطفان وقالت: هَبْهُ لنا.. فنحن يا أبا شذرة إخوتك وبنو عمك.. فوهبه لهم.

وفي رواية أخرى أن عمر بن الخطاب اشترى منه أعراض المسلمين بثلاثة آلاف درهم، كما جاء في كتاب فوات الوفيات لمحمد الكتبي.

ولا أعتقد أن عمر بن الخطاب منحه تلك الدراهم، إلا رأفة بحاله ورحمة بأولاده الذين عانوا في فترة سجن والدهم الحطيئة.. وكان بذلك يعبر عن مدى رفقه وتعاطفه مع الصغار، وقد حفلت كتب التاريخ بحكايات أطفال كان فيها الفاروق يفيض رقة وحناناً على الأطفال، يتألم لألمهم ويسارع إلى نجدتهم وإغاثتهم.

ولكن الحطيئة لم ينقطع عن الهجاء حتى اليوم الأخير من حياته ولم يتورع عن هجاء أبيه وأمه وحتى نفسه.

ولما كان على فراش الموت طلب من أهله ذلك الطلب الغريب، أن يضعوه فوق حمار على عكس ما يكون الراكب، ويسير ذلك الأتان براكبه المخالف الذي يحتضر حتى يلفظ أنفاسه الأخيرة. ويشعر كثيرون بالارتياح لغياب ذلك اللسان السليط الذي طالما أخافهم وأقض مضاجعهم.

هامش:

1 – ذي مرخٍ ويروى ذي أمر.. وذي أمر وادٍ بنجد من ديار غطفان

المراجع والمصادر:

1 – ديوان الحطيئة/ ابن السكيت، قدم له ووضع هوامشه وفهارسه الدكتور حنا نصر الحتي.

2 – الفهرست/ ابن النديم.

3 – طبقات الشعراء/ ابن سلام محمد الجمحي.

4 – الأغاني/ أبو الفرج الأصفهاني.

المصدر: الاتحاد

مع تحيات:
الــــــــوطــــــــن™
@AlWatanUAE

أكتب هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s