حسان بن ثابت.. شاعر الرسول صاحب الحياتين في الجاهلية والإسلام – الصوت والصدى

الدكتور عارف الكنعاني

لِلـــه دَرُّ عِصَابَــــةٍ نادَمْتُهُــــمْ

يومــاً بِجِلَّــقَ فــي الـزمـــانِ الأوّلِ

أولادُ جِفْنَـــةَ حـــولَ قبـــرِ أبيهِــمُ

قبـر ابـن ماريــة الكريــمِ المفضــلِ يَغشــــونَ حتّــى ما تهَــرُّ كِلابُهُــمْ

لا يَسْــألونَ عــنِ السَّــوادِ المقبــلِ

يَسـقَوْنَ مِــنْ وَرْدِ البَريــص عَليهِـمُ

بـرَدَى يُصفِّـقُ بِالرَّحيــقِ السّلْســـلِ

بيـضُ الوجــوهِ كريمَــةٌ أحْسَــابُهُمْ

شُــمُّ الأنــوفِ مِـــن الطّــرازِ الأوَّلِ

هذي الأبيات من قصيدة لشاعر مخضرم معروف هو الشاعر حسان بن ثابت، والملقب بشاعر الرسول.

يقول صاحب الأغاني أبو الفرج الأصفهاني إن حسان بن ثابت عاش مائة وعشرين عاماً، منها ستون عاماً في الجاهلية، وستون عاماً في الإسلام. ولذلك يعتبر شعره أحد المراجع التاريخية عن العصرين الجاهلي والإسلامي، وكان في الجاهلية شاعر قبيلة يزود، ويتحدث باسم الخزرج أمام خصومهم الأوس، والذين كان يدافع عنهم شاعر آخر هو قيس بن الخطيم الأوسي.

حياته في الجاهلية كانت وحتى بلغ الستين من عمره مقسمة بين قضيتين أساسيتين:

الأولى: الدفاع عن القبيلة التي كانت بمثابة الوطن، وقد أبلى بلاء حسناً في هذا الدفاع المجيد، حيث كان الشاعر في القبيلة بمثابة جهاز الإعلام في الزمن الحاضر.. وكانت تنوب القصيدة عن الجريدة اليومية والمجلة الأسبوعية والمحطة الإذاعية والقناة التلفزيونية والمواقع الإلكترونية.

وكان العرب في ذلك الزمن يطربون لسماع الشعر ويحفظونه للاستشهاد به في الموقف المناسب، فما تكاد القصيدة تسمع من الشاعر حتى تنتقل إلى مختلف أصقاع الأرض عن طريق الرواة والهواة.

وكان الشاعر يحمل عن قبيلته عبء الهجوم على القبيلة الأخرى، كما يحمل في الوقت عبء هجوم شاعرٍ أو شعراء القبيلة الخصم عليه.

والقضية الثانية للشاعر حسان بن ثابت في الجاهلية كانت مدح الغساسنة الذين كانوا ملوك الشام، والذين رحبوا به بعد أن ذاع شعره بين العرب، وكبرت منزلته في قومه.

وإذا كانت الأبيات التي افتتحنا بها هذه الحلقة توضح تلك العلاقة الطيبة بين الشاعر حسان والغساسنة، فإن رد حسان على قيس بن الخطيم يوضح القضية الأولى، وهي قضية الدفاع عن القبيلة، والهجوم على القبيلة الخصم.

مما جاء في أحد ردود حسان على قيس بن الخطيم الأوسي:

لعمــرُ أبيـــكَ، يا شـــــعْثُ، ما نَبــا

عليّ لساني في الخطوب ولا يَدي

لسـاني وسـيفي صارمـانِ كِلاهُمَـا

ويَبْلـغ ما لا يبلـغُ السـيفُ مِـذْودي

فـلا تَعْجَلَـن يا قيـسُ واربَــعْ فإنِّمـا

قُصــاراك أن تُلقِـــي بكُــلِّ مُهَنِّــدِ

حســـامٍ وأرمــــاحٍ بأيـــدي أعِـــزّةٍ

متـى تَرَهُـمْ يا ابــنَ الخطيــمِ تبَلَّــدِ

ليـوثٍ لهـا الأشـبالُ تحمـي عَرينَهـا

مداعيـسَ بالخطيّ في كلِّ مشـهدِ

فقد ذاقتِ الأوسُ القتـالَ وطرّدتْ

وأنتَ لـدى الكِنـاتِ في كلِّ مَطـردِ

نفتكُــمْ عـن العليــــاءِ أمٌّ لئيمَــــةٌ

وزَندٌ متـى تُقــدحْ بـهِ النــارُ يَصْلُــدِ

من هو حسان بن ثابت؟

هو حسان بن ثابت بن المنذر الخزرجي الأنصاري، وهو من بني النجار، وينتهي نسبه الأعلى إلى كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وقد حفظ الخزرج لشاعرهم حسان فضله وقدّروا دوره في الدفاع عنهم، حيث كان لشعره فيهم دور يفوق دور السيوف والرماح والفرسان، أما الغساسنة فقد كان له فيهم خطوة لم ينلها شاعر غيره، وكانوا أوفياء له حتى بعد زوال ملكهم وتغير حالهم، وظل جبلة بن الأيهم الغساني على صلة بحسان، ويرسل له مكافأته السنوية حتى بعد دخول حسان بن ثابت في الإسلام، مدافعاً منافحاً عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

ومما جاء في الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني: إن جبلة بن الأيهم سأل عن حسان بن ثابت رسول معاوية إلى ملك الروم وبعث إليه بألف دينار وهبات أخرى وقال له:

◆ إن وجدته حياً فادفعه إليه، وإن وجدته ميتاً فاطرح الثياب على قبره وابتع بهذه الدنانير بدناً (ناقة كبيرة) فانحرها على قبره.

وعلى الرغم من أهمية شعر حسان بن ثابت في قومه وفي الغساسنة إلاّ أن القضية التي كرّس لها شعره فيما بعد كانت قضية الدين الجديد الذي اعتنقه، وحمل لواء الدفاع عنه وعن رسوله الكريم محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام.

اعتنق حسان بن ثابت الإسلام، بعد أن وفد الرسول إلى المدينة وناصره أهلها، واعتنق الخزرج قوم حسان هذا الدين، ونزروا أنفسهم للدفاع عنه وعن رسوله الكريم، ومنهم أو في مقدمتهم كان شاعرنا حسان بن ثابت.

انضم حسان بن ثابت إلى عبد الله بن رواحة وكعب بن مالك للدفاع عن العقيدة والذود عن النبي وأصحابه، والتصدي لشعراء كرسوا شعرهم للهجوم على الإسلام وعلى النبي المصطفى.. أمثال عبد الله ابن الزبعري وأبي سفيان بن الحرث وعمرو بن العاص.

ويروي أبو الفرج الأصفهاني في كتابه العظيم الأغاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم حين تطاول شعراء قريش بألسنتهم على المسلمين قال للأنصار:

◆ ما منع القوم الذين نصروا رسول الله بسلامهم أن ينصروه بألسنتهم.

فقال حسان: أنا لها.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف تهجوهم وأنا منهم؟

قال حسان: إني أسلك منهم كما تسل الشعرة من العجين.

فأذن له وقال:

◆ اذهب إلى أبي بكر فليحدثك حديث القوم وأيامهم وأحسابهم ثم اهجهم وجبريل معك.

يقول محمد بن سيرين: كان شعر حسان في ذلك الزمن أشد القول عليهم كقوله في هجاء عمرو بن العاص وبني سهم:

لاطت (1) قريشُ حياضَ المجْدِ طاميَةٌ

فسَهْمٌ فأصْبَحَ مِنهُ حَوْضُها صَفِرا (2)

وأوردوا وحيـــاضُ المَجْــدِ طاميَــــةٌ

فَـدَلّ حـوْضَهُمُ الـوُرَّادَ فَانْهَـــدرا (3)

واللهِ ما فـــي قريـــشٍ كُلِّهــا نَفَـــرٌ

أكثرُ شـــيخاً جباناً فاحشــاً غُمُـــرا (4)

أذبَّ (5) أصلعَ سَفســـيراً (6) لهُ ذأبٌ

كالقِرْدِ يعجم وَسْطَ المَجْلِس الحُمُرا (8)

ومن الواضح أن فروسية حسان بن ثابت اقتصرت على الشعر، ولم يكن فارساً يجمع في يده السيف والقلم كبقية الشعراء أمثال امرئ القيس، وعمرو بن كلثوم وعنترة بن شداد، وغيرهم.. ولكنه استطاع بشعره أن يفعل أكثر مما الفرسان بشجاعتهم وقوة سواعدهم وإقدامهم في المعارك والحروب. فشعره كان بمثابة الإعلام وسلاح الإعلام، كان ولا يزال السلاح الأقوى والأكثر فاعلية وأثراً.

يقول ابن دريد نقلاً عن أبي عبيدة: فضل حسان الشعراء بثلاث: كان شاعر الأنصار في الجاهلية وشاعر النبي في النبوة، وشاعر اليمن كلها في الإسلام.

أما الجوهري فإنه يبرز مكانة حسان بين الشعراء العرب فينقل عن عمرو بن شبه عن أبي ثابت.

وفي كتابه ديوان حسان بن ثابت الأنصاري، يقول الدكتور عمر فاروق الطباع: خاض حسان في العديد من أغراض الشعر وأبوابه، وبرز في الفخر والهجاء قبل فترة إسلامه وبعدها، وفي هذين الجانبين حفل شعره بالأحداث والوقائع وأسماء الإعلام حتى نعته صاحب الروائع بمؤسس الشعر التاريخي ولا سيما الإسلامي، لأنه حفظ لنا أسماء المعارك العديدة بين المسلمين والمشركين، وذكر أسماء الصحابة وأسماء أعداء الإسلام، فكان أشبه بشاعر الدولة الرسمي، يؤرخ ويحصي، يقوم بالدعاية ويناضل، فقرن الشعر بالتاريخ وجمع بين الدين والسياسة.

قصيدة اليوم للشاعر حسان بن ثابت هي قصيدة حديث أم معبد، والتي رواها واحد من الصحابة هو حبيش بن خالد رضي الله عنه، وفيها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج من مكة مهاجراً إلى المدينة بصحبة أبي بكر الصديق، مروا على خيمتي أم معبد الخزاعية، وكانت أم معبد تبرز للضيوف ولو كانوا رجالاً، فطلبوا منها أن يشتروا التمر واللحم فلم يجدوا عندها شيئاً، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة نحيفة في كسر الخيمة فسألها:

◆ ما هذه الشاة يا أم معبد.

قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم.

قال: هل لها من لبن.

قالت: هي أجهد من ذلك.

قال: أتأذنين لي أن أحلبها.

قالت: نعم.. بأبي أنت وأمي.. إن رأيت بها حلبها فاحلبها.

فدعا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسح بيده ضرعها. وسمى الله تعالى ودعا لها في شأنها، فأفسحت بين رجليها ودرت، فسقى أم معبد حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا وشرب آخرهم .. وكرر ذلك وحلب الشاة مرة أخرى حتى امتلأ الإناء.. وبعد ارتحال الرسول الكريم، جاء زوج أم معبد يسوق أعنزاً عجافاً هزيلة ولما رأى اللبن قال:

◆ من أين لك هذا اللبن يا أم معبد.

◆◆ من الشاة.

◆ ولكنها هزيلة ولا حليب فيها.

◆◆ مرّ بنا رجل مبارك.. وحلبها فدرت.

◆ صفي لي هذا الرجل يا أم معبد.

وصفت أم معبد النبي وصفاً بديعاً، ومما قالت في وصفه:

◆ ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سماه وعلاه البهاء، فهو أجمل الناس وأبهاهم من بعيد وأحسنهم وأجملهم من قريب.

قال أبو معبد: هو والله صاحب قريش الذي ذكر من أمره ما ذكر بمكة، ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلن إن وجدت لذلك سبيلا، فأصبح صوته بمكة عالياً.. صوت يقول شعراً لا يدرون من صاحبه.

جَـزى اللــهُ ربُّ النــاسِ خَيْــرُ جزائِـهِ

رفيقيــنِ قـالا: خَيْمَتَـــي أُمِّ مَعْبَــدِ

هُمـا نزلاهَـا بالهُـدى فاهتــدَتْ بـهِ

فَقدْ فـازَ مـن أمسـى رفيـقَ مُحَمّـدِ

سـَلُوا أختكُــمْ عَـنْ شــاتِها وَإِنائِهــا

فإنّكُـمْ إن تَسْـــألوا الشــاةَ تَشْــهَدِ

وحين سمع حسان بن ثابت هذه القصة هاجت قريحته فنظم هذه الأبيات:

لقد خـابَ قومٌ غـابَ عَنْهُـم نبيُّهُـمْ

وقُدّسَ مَنْ يَسْـري إليهـم ويَغْتـدي

ترحّـلَ عَـن قـومٍ فَضَلَّـتْ عُقولهُـمْ

وَحَــلَّ عَلــى قَـــوْمٍ بنـــورٍ مُجَــدّدِ

هَداهُــمْ بــهِ بَعــدَ الضلالـةِ رَبُّهُــمْ

وَأرشـدَهُمْ مـن يَتبــعِ الحـقَّ يَرْشُــدِ

وَهَلْ يَسْـتوي ضلالُ قومٍ تَسـفّهوا

عَمــىً، وَهُـداةٌ يَهْتَــدونَ بِمُهْتــدِ؟

لقَـدْ نزلَـتْ منـهُ عَلَـى أهــلِ يـثـرب

رِكـابُ هُـدَى حَلّـتْ عَلَيْهِـمْ بِأسْـعَدِ

نبـيٌّ يَـري ما لا يَـرى النــاسُ حَوْلـهُ

وِيتلـو كتـابَ اللـهِ فـي كلّ مَسْـجِدِ

وَإنّ قـالَ فـي يَــوْمٍ مَقالَــة غائِـبٍ

فَتصّديقُها في اليَوْمِ أو في ضُحى الغدِ

لِيَهْـــنِ أبـا بكــرٍ سَــــعادَةُ جــــدّهِ

بِصُحْبَتِـهِ، مـن يُســعدِ اللـهَ يَسْــعَدِ

شرح المفردات:

-1 لاطت: لطخت.

-2 صقراً: فارغاً

-3 انهدر: انهزم.

-4 الغمر: الجاهل.

-5 أذب: الثور الوحشي.

-6 السفسير: المولى التابع.

-7 ذأب: السلاطة في اللسان.

-8 الحمرا: التمر الهندي.

المصادر والمراجع:

-1 الأغاني/ أبو الفرج الأصفهاني.

-2 ديوان حسان بن ثابت/ الدكتور عمر فارق الطباع.

-3 لسان العرب/ ابن منظور

المصدر: الاتحاد

مع تحيات:

الــــــــوطــــــــن™
اتبعني Follow @AlWatanUAE
www.alwatan.ae

About these ads

2 thoughts on “حسان بن ثابت.. شاعر الرسول صاحب الحياتين في الجاهلية والإسلام – الصوت والصدى

أكتب هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s